الحلبي
60
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وعند ذلك أحجمت يهود عن البراز ، فكبر المسلمون وتحاملوا على الحصن ، ودخلوه يقدمهم أبو دجانة رضي اللّه تعالى عنه ، فوجدوا فيه أثاثا ومتاعا وغنما وطعاما ، وهرب من كان فيه ولحق بحصن يقال له حصن البريء ، وهو الحصن الثاني من حصني الشق فتمنعوا به أشدّ التمنع ، وكان أهله أشد رميا للمسلمين بالنبل والحجارة حتى أصاب النبل ثياب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعلقت به ، فأخذ لهم صلى اللّه عليه وسلم كفا من حصباء فحصب به ذلك الحصن ، فرجع بهم ثم ساخ في الأرض ، وأخذ المسلمون من فيه أخذا ذريعا ، أي فحصون الشق اثنان : حصن أبيّ ، وحصن البريء . وحينئذ يتأمل في قول الحافظ الدمياطي في سيرته : والشق وبه حصون منها حصن أبيّ ، وحصن البريء . أقول : وفي الإمتاع أنهم وجدوا في حصن الصعب الذي هو أحد حصون النطاة منجنيقا : أي كما أخبر بذلك اليهودي الذي جاء به عمر رضي اللّه تعالى عنه وأدخله عليه صلى اللّه عليه وسلم وأمنه كما تقدم ، وأنهم نصبوا المنجنيق الذي وجدوه في حصن الصعب على هذا الحصن الذي هو حصن البريء من حصون الشق ، أي وهو يخالف قول بعضهم لم ينصب المنجنيق إلا في غزوة الطائف ، إلا أن يقال . يجوز أن يكون المراد بعدم نصبه أنه لم يرم به إلا في غزوة الطائف . وأما هنا فنصب ولم يرم به فلا مخالفة . ووجدوا في هذا الحصن آنية من نحاس وفخار كانت اليهود تأكل فيها وتشرب ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : اغسلوها واطبخوا وكلوا فيها واشربوا . وفي رواية : سخنوا فيها الماء ، ثم اطبخوا بعد وكلوا واشربوا . وحكمة تسخين الماء فيها لا تخفى ، وهي أن الماء الحار أقوى في النظافة وإخراج الدسومة واللّه أعلم . ثم إن المسلمين لما أخذوا حصون النطاة وحصون الشق ، انهزم من سلم من يهود تلك الحصون إلى حصون الكثيبة ، وهي ثلاثة حصون ، القموص كصبور ، والوطيح ، وسلالم بضم السين المهملة ، وكان أعظم حصون خيبر القموص ، وكان منيعا حاصره المسلمون عشرين ليلة ثم فتحه اللّه على يد عليّ كرم اللّه وجهه ، ومنه سبيت صفية رضي اللّه تعالى عنها كما قاله الحافظ ابن حجر . قال : وقيل كان اسمها قبل أن تسبى زينب ، فلما صارت من الصفيّ سميت صفية . والصفي : ما كان يصطفيه صلى اللّه عليه وسلم لنفسه من الغنيمة قبل أن تقسم على ما تقدم ، وكان في الجاهلية لأمير الجيش ربع الغنيمة . ومن ثم قيل له المرباع . قال السهيلي رحمه اللّه : كانت أموال النبي صلى اللّه عليه وسلم من ثلاثة أوجه : من الصفي ، والهدية ، وخمس الخمس هذا كلامه ، ولا يخفى أنه يزاد على ذلك الفيء .